بقلم: ياسر محمد (نائب رئيس تحرير أخبار اليوم)
لم تكن مجرد رحلة بحث عن وجبة غداء عابرة في قلب المدينة: بل كانت موعداً غير مبرمج مع الدهشة الحقيقية. بصفتي كاتباً وصحفياً يخوض تجارب يومية متعددة: لم أكن أتوقع إطلاقاً أن أتناول كبدة بهذا الطعم الساحر والمذاق الذي يأسر الحواس من اللقمة الأولى! بمجرد أن تطأ قدماك المكان: يستقبلك عبق يختصر تاريخ الصنعة: ليقودك الحنين والرائحة الزكية إلى صرح يتنفس جودة ومحبة: صرح يحمل اسماً رناناً يتردد على ألسنة العشاق: “كبدة ومخ الجزار”.
سيمفونية الطهي الحي.. مسرح الإبداع
داخل المطعم: أنت لست في مجرد مكان لتناول الطعام: بل أمام خشبة مسرح يُعرض عليها فن “السهل الممتنع”. الحركة هناك تشبه فرقة موسيقية يقودها “مايستروهات” محترفون: صوت الشوايات والقلي يعزف نغمة الشجن: وسرعة تلبية الطلبات تلغي مفهوم الانتظار رغم الزحام الذي يشي بمحبة الناس وثقتهم المطلقة. كل تفصيلة في المكان مدروسة بعناية: لتشعرك أنك ضيف في بيت كرم أصيل: لا مجرد زبون.
محمد جمعة وأبو عمر: قمة العطاء وأسطورة المكان
خلف هذا النجاح الملهم: يقف هرمان من أهرامات الفن في مصر: محمد جمعة وأبو عمر. هما ليسا مجرد صاحبي مشروع: بل هما صانعا سعادة ورمز للذوق الرفيع.
محمد جمعة: يمتلك رؤية ثاقبة لا تغادر صغيرة ولا كبيرة: يتابع كل التفاصيل بعين الخبير وقلب الأب الرحيم. يؤمن بأن اللقمة التي لا تُصنع بحب صادق لا تستحق أن تُقدم: فتراه ينسج من الشغف طاقة إيجابية تملأ المكان دفئاً وإنسانية.
أبو عمر: يضيف للمكان روحاً من الانضباط الممزوج بالبشاشة الدائمة: يحرك الصخر بهدوء القادة: ويحرص كل الحرص على أن تظل جودة المكان ثابتة لا تتغير بتغير الساعات: يبتسم في وجه الجميع ويزرع المحبة في قلوب الزوار والعمال على حد سواء.
إنهما بلا شك كيمياء خاصة جمعت بين العراقة والاحترافية: فجعلا من مطعمهما علامة مسجلة للثقة والجودة الأصيلة.
الجندي المجهول: عبد الرحمن أسامة.. مايسترو الوقت
وهنا يقف الجندي المجهول: عبد الرحمن أسامة: مدير الفترتين الصباحية والمسائية. هذا الرجل الذي لا يعرف الجسد منه تعباً ولا كدراً: يقف كالحارس الأمين على راحة الزوار: يهتم بكل صغيرة وكبيرة داخل المطعم. بتواجده الدائم ودقته المتناهية: ينسق العمل بين الفترات كأنه يعزف مقطوعة لا شذوذ فيها: يوجه بحزم المحب وينظم بروح القائد: ليبقى المطعم في أبهى صورة على مدار الساعة.
الشيف العالمي سامح إسماعيل: سر النكهة الفريدة
ولأن للتميز عنواناً: فقد جاء حضور الشيف العالمي سامح إسماعيل ليزيد المكان بريقاً على بريق. لقد وضع بصمته السحرية التي جعلت للمطعم نكهة خاصة وفريدة لا يمكن أن تتكرر في أي مكان آخر. بلمساته العالمية وحرفته العالية: استطاع أن يمزج التبيل المصري الأصيل بتقنيات الطهي الرفيعة: ليخرج للجمهور أطباقاً تحمل توقيعه الخاص.
انقلاب في مفهوم الطعم: حدث ولا حرج!
أما عن الكبدة التي تأكلها داخل هذا المطعم: فحدث ولا حرج! مذاق أكثر من رائع: نضج مثالي وتتبيلة تسري في الأوصال كأنها سر مكنون. أما المخ: فستأكله بمذاق مختلف تماماً بيد محترف يعرف كيف يطوع النكهات لتذوب في الفم كقطعة من الغيم: نقية وطازجة.
ولم تتوقف المفاجأة عند هذا الحد: بل إن الجمبري والفيليه لديهم يأتي بطعم أكثر من روعة: مقرمشاً: عصيرياً: ومتبلاً بحرفة عالية. أما السلطة: فتأكلها وكأنك تأكل سلطة بيتي طازجة تم إعدادها بروح المنزل: ولكن بنكهة أفخم المطاعم والفنادق الشهيرة.
كتيبة الجنود المجهولين.. بيت البركة والإتقان
لا يمكن أن نغفل فريق العمل من الشيفات والطباخين: هؤلاء هم الجنود المجهولون الذين يبدعون خلف الكواليس لإخراج أجمل وألذ مذاق. في “كبدة ومخ الجزار”: تجد النظافة والإتقان يسيران جنباً إلى جنب مع الإنسانية السامية.
إنها تجربة تستحق العناء: ليس فقط من أجل الطعام: بل لتشهد كيف تتحول المهنة إلى رسالة: وكيف يصبح الشيف سفيراً للأمانة والذوق الرفيع. إن كنت تبحث عن طعم لا مثيل له ومذاق لن تراه في مطاعم أخرى: فإن طريقك يبدأ وينتهي عند “كبدة ومخ الجزار